عبد الوهاب الشعراني
342
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
( فإن قلت ) : قد تقدم أن القرآن أنزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، جملة قبل أن ينزل عليه تفصيلا فما الحكمة في ذلك ؟ ( فالجواب ) : إنما أنزل عليه صلى اللّه عليه وسلم ، القرآن إجمالا ليفرق بين تنزيله عليه وتنزيل العلوم على الأولياء وذلك أن التدريج في الأمور إنما هو للتعمل ولا تعمل للإرسال بخلاف الأولياء لا تنزل عليهم العلوم إلا وهي مفصلة فقط لأن منها جهة الترقي والتكسف . فالنبوة وهب والولاية كسب . وقال في الباب العاشر من « الفتوحات » في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « أنا سيد ولد آدم ولا فخر » ، إنما كان صلى اللّه عليه وسلم ، سيد ولد آدم لأن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، نواب له صلى اللّه عليه وسلم ، من لدن آدم إلى آخر الرسل وهو عيسى عليه الصلاة والسلام كما أبان عن ذلك حديث « لو كان موسى وعيسى حيين ما وسعهما إلا اتباعي » وصدق صلى اللّه عليه وسلم ، في ذلك ، فإنه لو كان موجودا بجسمه من لدن آدم إلى زمان وجوده لكان جميع بني آدم تحت شريعته حسا وهذا لم يبعث نبي إلى الناس عامة إلا هو خاصة فجميع شرائع الأنبياء هي بالحقيقة شرعه صلى اللّه عليه وسلم . ( فإن قلت ) : فهل يكون نسخ شريعته لكل شريعة تقدمت يخرج تلك الشرائع عن كونها شرعا له ؟ ( فالجواب ) : لا يخرجها ذلك النسخ عن كونها من شريعته فإن اللّه تعالى قد أشهدنا النسخ في شرعه الظاهر مع اجتماعنا واتفاقنا على أنه شرعه الذي نزل عليه فنسخ المتقدم بالمتأخر ومما يشهد لكون جميع الأنبياء نوابا له صلى اللّه عليه وسلم ، كون عيسى عليه الصلاة والسلام ، إذا نزل إلى الأرض لا يحكم بشرع نفسه الذي كان عليه قبل رفعه وإنما يحكم بشرع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، الذي بعث به إلى أمته ولو أن الشرع الذي يحكم به عيسى إذا نزل كان له بالأصالة لما كان يحكم إذا نزل إلى الأرض إلا به . ( فإن قلت ) : قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا تفضلوني على يونس » الحديث هل هو منسوخ أو قاله تواضعا ؟ ( فالجواب ) : هو تواضع منه صلى اللّه عليه وسلم ، وإلا فهو يعلم أنه أفضل خلق اللّه تعالى ، وذلك ليصح له تمام الشكر ، فإنه أشكر خلق اللّه تعالى للّه ولا يكون ذلك إلا بمعرفته كل ما أنعم اللّه به